في صباح الثامن والعشرين من أبريل تستيقظ كثير من المنشآت على نشاط غير معتاد: بريد إلكتروني من الموارد البشرية يُعلن عن اليوم العالمي للصحة والسلامة في العمل، لافتة تُعلَّق في مدخل الشركة، وربما ورشة عمل قصيرة تستمر ساعة أو ساعتين، قبل أن يعود الجميع إلى إيقاع العمل المعتاد. ثم تمر المناسبة، وكأن شيئاً لم يكن.
وخلف هذه الاحتفالية، قد يجلس موظف ما يُنجز مهمة داخل ضغط زمني لا يُطاق، أو مسؤول مباشر لا يسمع همسات الخطر، أو إجراء وقاية مكتوب لكنه لم يُطبَّق قط.
مشهد مألوف لكنه مقلق، فهذا اليوم ليس مجرد يوم على التقويم، بل لحظة يقظة يجب أن ترسم ثقافة راسخة تحول الاحتفال إلى ممارسة فعلية مستمرة على مدار العام.
جدول المحتويات:
حين لا يبدأ الخطر من الحادث بل مما قبله
تبدأ السلامة قبل وقوع الحادث، لا بعده. فالحوادث لا تظهر فجأة، بل تسبقها غالبًا مؤشرات صغيرة، وملاحظات غير معالجة، وضغوط تشغيلية يجري التعايش معها حتى تصبح جزءًا مألوفًا من بيئة العمل.
لذا فإن الفرق بين منشأة تجعل السلامة جزءًا من وعيها التشغيلي، وأخرى لا تستحضرها إلا عند الحاجة، لا يُقاس بالمؤشرات المتأخرة مثل معدلات الحوادث وأيام العمل المفقودة، بل بالمؤشرات التي تنذر بالخطر قبل وقوعه، وتجعل الوقاية أصلًا في الإدارة، لا مجرد استجابة متأخرة لظروف لا تزال تنتج الخطر بصمت.
ما يُهمَل بوصفه كلفة يعود بوصفه خسارة
لا يمكن للمنشآت أن تنظر إلى الصحة المهنية بوصفها ملفًا منفصلًا عن العمل، أو كلفة إضافية يمكن تأجيلها كلما اشتد الضغط، لأن العامل الذي يعمل في بيئة مرهقة أو متوترة لا يتأثر نفسيًا فقط، بل يضعف تركيزه وقدرته على اتخاذ القرار، واستعداده لتقديم الجودة المطلوبة منه.
وهذه الآثار لا تصيب العامل وحده، بل تمتد إلى الجميع، فالمنشأة التي تهمل هذا الجانب قد تتكبد خسائر جسيمة بسبب التعويضات المالية للمصابين، ومصاريف العلاج، وتوقف خطوط الإنتاج. فضلًا عن التكاليف الخفية لتعيين البديل، وإعادة التدريب، وتراجع الروح المعنوية للفريق، واحتمال التعرض لإجراءات قانونية.
في المقابل، ينعكس الاهتمام بقواعد السلامة والصحة على طاقة العاملين وإحساسهم بالأمان، بما يرفع الإنتاجية والانضباط وحسن أداء العمل، ويعزز استقرار النتائج الإيجابية. كما يسهم في بناء بيئة عمل جاذبة تتمتع بمعدلات رضا وولاء، قادرة على الاحتفاظ بالكفاءات واستقطاب المواهب.
ثقافة الصحة والسلامة داخل بيئة العمل: حين تصبح السلامة سلوكًا
الثقافة، في معناها العملي، هي ما يوجّه القرار والسلوك حين لا يكون هناك وقت للشرح أو التردد. وثقافة السلامة والصحة لا تُقاس بعدد التعليمات المكتوبة، بل بوجود نمط عمل واضح يعرف فيه الجميع ما المقبول، وما المرفوض، وما الذي يُقدَّم عند التعارض.
وهذا السلوك المتكرر لا يتكوّن من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى إدارة جادة في قراراتها، تدرك الفرق بين وجود سياسة سلامة مكتوبة، وبين بناء ثقافة تظهر في تصرفات العاملين حين لا يراقبهم أحد.
وتبدأ هذه الثقافة من التزام القيادة العليا بالمعايير، بحيث تكون قدوة تحفز الموظفين، وترسل إليهم رسائل أقوى من أي توعية. كما تبدأ من الخطوات العملية التي تنتهجها لترسيخ السلامة والصحة في بيئة العمل، ومنها:
- تحديد المسؤوليات بوضوح ليعرف كل شخص دوره في الوقاية من الخطر.
- الاستماع إلى الموظفين ومنحهم مساحة آمنة وصادقة للكلام والتعبير.
- التعامل العادل مع الأخطاء عبر فهم أسبابها ومعالجتها، دون الاكتفاء باللوم والعقوبة.
- تطبيق قواعد السلامة على الجميع دون استثناء أو تساهل عند ضغط العمل.
- الاستفادة من الحوادث والملاحظات وتحويلها إلى دروس تمنع تكرار المشكلة.
- تدريب الموظفين عمليًا ودوريًا على فهم السلامة كما تُطبَّق في الواقع.
- متابعة السلوك الصحيح وتقديره حتى تصبح السلامة عادة ثابتة في ثقافة المؤسسة.
الموظف ليس متلقيًا للخطر بل عينًا مبكرة عليه
صحيح أن المسؤولية الأساسية عن تصميم بيئة عمل آمنة تقع على عاتق الإدارة، لأنها تملك القرار والموارد. لكن ذلك لا يُخرج الموظف من منظومة الوقاية، فهو أول من يتأثر بسلامة مكان العمل، وأقرب من يلامس تفاصيله اليومية، وأقدر من يلتقط مؤشراته المبكرة قبل أن تتحول إلى خطر ظاهر.
غير أن فاعلية هذا الدور لا تنشأ تلقائيًا، بل ترتبط بوجود بيئة عمل ناضجة تتيح له المشاركة، وتحترم سلامته الجسدية والنفسية بوصفها جزءًا أصيلًا من ثقافة المنشأة. ومن أبرز صور هذه المساهمة:
- الوعي بالمخاطر والممارسات غير الآمنة التي تتراكم مع الوقت، مثل الإرهاق المزمن، ونقص التعليمات، وضغط العمل الذي قد يضعف التركيز والالتزام.
- الإبلاغ عن المخاطر بوصفه واجبًا لا وشاية، وتنبيه الإدارة والزملاء إلى ما يمكن معالجته قبل أن يتفاقم، مثل أرضية زلقة أو خلل متكرر في جهاز.
- الالتزام بالإجراءات وإن بدت أبطأ أو أكثر تفصيلًا، حتى حين لا يراقبك أحد، لأن تجاوزها طلبًا للسرعة يضعف النظام كله.
- التحدث عن المخاوف والقلق، وطلب التوضيح عند غموض التعليمات أو تضاربها، بدل الاجتهاد أو الافتراض في مسائل قد تمس السلامة.
- التفاعل الجاد مع التدريب، وتعلّم طرق التصرف في الدقائق الأولى بعد الحادث، وتقديم المقترحات التي تساعد على تحسين بيئة العمل وتقليل المخاطر.
اليوم العالمي للصحة والسلامة في العمل: من مناسبة عابرة إلى موعد سنوي للمراجعة
تتعامل كثير من المنشآت مع هذا اليوم بوصفه فرصة للحديث عن السلامة، فتكثر الرسائل والفعاليات، بينما تبقى طريقة العمل على حالها، وتفقد المناسبة معناها.
لكن الأجدى أن يتحول هذا اليوم إلى نقطة مراجعة واختبار لسياسات الأمان، تُقاس فيها فجوة الواقع لا كثافة الخطاب: أين يضعف الإجراء، وأين يتكرر الخلل، وأين أصبح الخطر مألوفًا إلى درجة أننا لم نعد نراه، وهل يملك العاملون فعلًا مساحة آمنة للإبلاغ، أم ما يزال الصمت أسهل من الكلام؟
لذلك يمكن للمديرين أن يتخذوا من هذا التاريخ نقطة انطلاق لتقييم شامل وشفاف لواقع السلامة والصحة المهنية داخل مؤسساتهم، مثل:
- مراجعة الإجراءات الغامضة أو تلك التي يكثر تجاوزها.
- تحليل البلاغات والحوادث الوشيكة، واستخلاص ما تكشفه من خلل.
- إعادة تنظيم العمل في المواقع التي يتكرر فيها التعب أو التسرع أو ضعف المتابعة.
- تدريب المشرفين والعاملين على النقاط التي يظهر فيها الخطأ أو التهاون.
- تحسين مسارات الإبلاغ ووسائل الوقاية، ووضع أهداف واضحة قابلة للقياس.
وهنا يظهر الفرق الحقيقي: إذا انتهى الثامن والعشرون من أبريل برسالة داخلية وصورة جماعية، بقي داخل دائرة الرمزية. أما إذا خلُص إلى تدقيق وقرار وخطة متابعة، فإنه يستعيد قيمته الفعلية.
احتفالٌ يترك أثرًا
الاحتفال الحقيقي باليوم العالمي للصحة والسلامة في العمل لا بد أن يترك أثرًا، لأنه ليس طقسًا يعيد المألوف، بل فعلًا يوقظ الانتباه، ويدفع إلى خطوات عملية تبني صورة ذهنية تبقى مع العامل طوال العام. وفيما يلي بعض الأفكار التي تستحق التجربة:
جولة الصمت الواعي
بدلًا من الاجتماع التقليدي في قاعة، خصص ساعة لجولة ميدانية صامتة برفقة فريق القيادة داخل بيئات العمل الفعلية، لرصد ما اعتدنا على تجاهله. ما الذي يبدو عاديًا، لكنه يحمل في الحقيقة خطرًا خفيًا؟ وما الإجراء الذي لا يُتَّبع فعليًا بالصورة المفترضة؟ ثم يأتي بعد ذلك اجتماع قصير للتحليل واتخاذ القرار.
بطاقة الصوت الحقيقي
اطلب من كل موظف أن يكتب بطاقة لا تحمل اسمًا، بل إجابة عن سؤال واحد: ما الذي يقلقك في بيئة العمل ولم تخبر أحدًا به بعد؟ ثم شارك النتائج مع فريق القيادة بصدق كامل، وأعلن في اليوم نفسه عن إجراء ملموس ستتخذه استجابة لما ورد في تلك البطاقات.
تكريم أبطال الإبلاغ
كرّم من أبلغ عن خطر كان يمكنه تجاهله. فهذا التمييز الدقيق يعيد تعريف البطولة في ثقافة المنشأة: البطل ليس من لم يقع في مشكلة، بل من منع المشكلة بشجاعة الإبلاغ.
تعهد السلامة
من الجميل أن يعلن القائد أمام فريقه تعهدًا محددًا وقابلًا للقياس في إطار الصحة المهنية وسلامة بيئة العمل، لأن التعهد العلني ينقل المعادلة من الشعار إلى المساءلة. على سبيل المثال: نتعهد خلال هذا العام بأن نقلص زمن الاستجابة لبلاغات السلامة من أسبوع إلى يوم.
في الختام تذكر أن السلامة تسكن في القرارات الصغيرة التي ربما لم يلاحظها أحد بعد، أو لاحظها لكنه أهمل أو توجس من إعلانها، فتلك التفاصيل قد تتحول يومًا إلى ناقوس خطر يعلن يعلن أن التجاهل كان أشد من الخلل نفسه.